الجمعة، 28 مارس 2025

10:57 ص

بدر شاشا يكتب: الاستدامة البيئية.. موازنة الطبيعة والفجوة الديناميكية

الجمعة، 21 مارس 2025 12:45 ص

بدر شاشا   باحث بجامعة ابن طفيل القنيطرة 

بدر شاشا  باحث بجامعة ابن طفيل القنيطرة 

الحديث عن الاستدامة البيئية لم يعد ترفاً فكرياً أو مجرد شعارات ترفعها المؤسسات والمنظمات الدولية، بل أصبح ضرورة حتمية يفرضها الواقع البيئي المتغير، فالضغوط التي تمارسها الأنشطة البشرية على الأنظمة البيئية لم تعد خافية، والتوازن الهش الذي كان يحكم العلاقة بين الإنسان والطبيعة أصبح أكثر اضطراباً من أي وقت مضى، وهذا ما يدفع إلى التفكير بعمق في مفهوم الاستدامة البيئية باعتبارها رؤية شاملة تعيد رسم العلاقة بين التنمية والبيئة بطريقة تحفظ الحقوق البيئية للأجيال القادمة

الاستدامة البيئية ليست مجرد الحفاظ على الموارد الطبيعية من الاستنزاف، بل هي فلسفة متكاملة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين ضرورة حماية النظم البيئية من التدهور، فكل نشاط بشري، مهما بدا بسيطاً، يترك بصمته على البيئة، وهذا التأثير قد يكون إيجابياً إذا تم وفق رؤية واعية، لكنه في الغالب يكون سلبياً إذا لم تؤخذ الاعتبارات البيئية في الحسبان، وهنا يأتي مفهوم "الفجوة الديناميكية" الذي يعكس المسافة المتزايدة بين استهلاك الموارد الطبيعية وقدرة الأرض على تجديدها، هذه الفجوة التي باتت تتسع بفعل أنماط الاستهلاك الجائرة والتوسع العمراني والصناعي غير المنضبط

إن تحقيق موازنة بين الطبيعة والتقدم البشري هو التحدي الأكبر في مسيرة الاستدامة البيئية، إذ لا يمكن إنكار أن التنمية حاجة أساسية للدول والمجتمعات، لكن هذه التنمية إذا لم تكن مبنية على أسس بيئية سليمة، فإنها تتحول إلى كارثة مدمرة، فالتلوث الجوي والتغيرات المناخية والتصحر ونقص المياه ليست سوى بعض النتائج التي تترتب عن سياسات غير مستدامة، والمثير للقلق أن كثيراً من الأنشطة التي كانت تعتبر تطوراً إيجابياً قبل عقود أصبحت اليوم تشكل عبئاً على النظم البيئية، فمثلاً التوسع في استخدام الوقود الأحفوري كان يعد إنجازاً اقتصادياً، لكنه اليوم يمثل المصدر الرئيسي لانبعاثات الكربون، والزراعة المكثفة كانت تُنظر إليها على أنها مفتاح الأمن الغذائي، لكنها باتت تهدد التربة وموارد المياه الجوفية، ما يعني أن أي تطور لا يأخذ في الاعتبار التوازن البيئي يتحول لاحقاً إلى مشكلة بدلاً من أن يكون حلاً

التكنولوجيا تلعب دوراً محورياً في تقليل الفجوة بين التطور البيئي ومتطلبات التنمية، فاستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في مراقبة جودة الهواء والمياه وإدارة الموارد الطبيعية يساهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة واستدامة، والتوسع في الطاقات المتجددة يخفف من الاعتماد على الوقود الأحفوري، كما أن تطوير تقنيات الزراعة الذكية يقلل من استهلاك المياه والأسمدة الكيميائية، ما يعني أن الحل لا يكمن في إيقاف عجلة التطور، بل في توجيهها نحو مسارات أكثر توافقاً مع البيئة، وهذا يتطلب وعياً مجتمعياً وسياسات حكومية تحفز الاستثمار في المشاريع الخضراء وتفرض تشريعات صارمة على القطاعات الملوثة

الفجوة الديناميكية بين الطبيعة والأنشطة البشرية تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد لمعالجتها، إذ لا يمكن ترميم الأضرار البيئية بين ليلة وضحاها، فالتدهور الذي حصل على مدى عقود يستلزم إجراءات متواصلة ومناهج مستدامة لضمان تعويض الخسائر وإعادة التوازن البيئي، وهنا يأتي دور السياسات البيئية الرشيدة التي تقوم على دمج مفاهيم الاقتصاد الأخضر في الخطط التنموية، بحيث يصبح الحفاظ على البيئة جزءاً من منظومة الاقتصاد وليس مجرد اعتبارات جانبية، فمثلاً يمكن فرض ضرائب على الانبعاثات الكربونية لتحفيز الشركات على تبني حلول صديقة للبيئة، ويمكن دعم المزارعين الذين يستخدمون أساليب زراعية مستدامة لضمان عدم استنزاف التربة، كما يمكن تقديم حوافز للمستهلكين الذين يتجهون إلى المنتجات البيئية، وهذا يخلق منظومة متكاملة تكون فيها الاستدامة عاملاً أساسياً في كل قرار اقتصادي واجتماعي

الاستدامة البيئية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تتطلب تغيير أنماط الاستهلاك اليومية للأفراد، فالاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية هو السبب الرئيسي وراء معظم المشكلات البيئية، ولو أدرك كل فرد أن سلوكه الاستهلاكي يؤثر على صحة الكوكب، لكانت هناك تحولات كبيرة في طريقة استخدام الطاقة والمياه والغذاء، فمثلاً تقليل هدر الطعام ليس مجرد توفير مالي، بل هو خطوة جوهرية في تقليل الضغط على الأراضي الزراعية والمياه العذبة، واستخدام وسائل النقل العامة أو السيارات الكهربائية ليس مجرد رفاهية، بل هو مساهمة مباشرة في خفض الانبعاثات الملوثة، وإعادة التدوير ليست مجرد خيار بيئي، بل هي ضرورة للحد من النفايات وتقليل الحاجة إلى استخراج مواد خام جديدة

المبادرات العالمية لتعزيز الاستدامة البيئية تؤكد أن الدول بدأت تدرك أهمية هذا الموضوع، فالاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية باريس للمناخ تهدف إلى تقليل ارتفاع درجة حرارة الأرض، وبرامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة تسعى إلى دمج الأبعاد البيئية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكن رغم هذه الجهود، لا تزال التحديات قائمة، فكثير من الدول، وخاصة النامية، تواجه صعوبة في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة بسبب الضغوط الاقتصادية وضعف الإمكانيات، ما يجعل من الضروري تعزيز التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا الخضراء إلى الدول التي تحتاج إليها، إضافة إلى فرض التزامات بيئية أكثر صرامة على الشركات الكبرى التي تتسبب في الجزء الأكبر من التلوث

تحقيق الاستدامة البيئية لا يعني التوقف عن التقدم أو العودة إلى أنماط الحياة البدائية، بل يعني إعادة تعريف مفهوم التنمية بحيث يكون متوافقاً مع الأنظمة البيئية وليس متصادماً معها، وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير والتخطيط والإنتاج، بحيث تصبح البيئة جزءاً أساسياً من كل قرار اقتصادي وصناعي، وبدون ذلك، ستظل الفجوة الديناميكية بين الإنسان والطبيعة تتسع، مما يعرض مستقبل الأجيال القادمة لمخاطر لا يمكن التنبؤ بعواقبها.

search